صحيفة عشق البلد-أحد أعرق أحياء ود مدني .مارنجـــان … تسع لغــــــات والعاشرة ابتسـامة

مشاهدة
أخر تحديث : الإثنين 27 ذو الحجة 1438 - 9:31 صباحًا
صحيفة عشق البلد-أحد أعرق أحياء ود مدني .مارنجـــان … تسع لغــــــات والعاشرة ابتسـامة

أحد أعرق أحياء ود مدني .مارنجـــان … تسع لغــــــات والعاشرة ابتسـامة

رسمها : محمد ادم
بعد رحلة استغرقت ثلاث ساعات على متن عربة صغيرة «كلك» غادرنا العاصمة الخرطوم متوجهين صوب حاضرة ولاية الجزيرة مدينة ود مدني عبر الطريق البري (الخرطوم – مدني) لقضاء عطلة عيد الاضحى المبارك برفقة زميلي بالصحيفة محمد عبدالله،فعند الساعة الواحدة صباحاً لامست قدماي ارض ود مدني بسوق المدينة الكبير ولم نتوقف كثيراً فاستغلينا عربة «امجاد» لكي تقلنا الى «مارنجان» احد الاحياء العريقة بالمدينة الذي تحيط به المصانع من الاتجاه الشمالي وغرباً محالج قطن ومكاتب ادارة مشروع الجزيرة وجنوباً يقع سوق مارنجان الشعبي الشهير بـ(الفسحة) وشرقاً يحفها شاطئ النيل الازرق الذي ظل يمنحها نسائم باردة برائحة الطمي مع لوحة خضراء تشكلها جنائن الفاكهة والاعلاف التي ترتدي ثوبها الاخضر في منظر لافت وباهر للنظر.

مقولة متداولة
لمواطني ود مدني عامة وسكان مارنجان خاصة مقولة شهيرة ومتداولة ارتبطت باسم الحي العريق تتمثل في (مارجان السودان .. كفر ووتر ،تسع لغات والعاشرة ابتسامة ) فالابتسامة هنا تدل علي الطيبة وحسن المعاملة وذلك بأن الابتسامة لا تفارق شفاههم ابداً ،وحينما تذكر اسم مارنجان وتتوقف عنده تجد من بجانبك يكمل لك بقية المقولة.
ترحيب حار
عقب الوصول الى حي مارنجان الذي تقطن فيه اسرة رفيقي الذي ذهبت بمعيته لقضاء العطلة قابلتني الاسرة بترحاب حار خاصة انها زيارتي الاولى لمدينة ود مدني وتكسو وجوه تلك الاسرة ابتسامة عريضة تعبر عن طيبة سائر اهل السودان عند مقابلتهم للضيوف الذين يأتون اليهم وكم اسعدتهم تلك الزيارة .
استقبال خاص
لم تستقبلني مدينة ود مدني بأجواء ساخنة كالاجواء المعتادة في العاصمة الخرطوم بل منحتنا بعض الرحيق والنسمات الباردة التي تشعرك باقتراب هطول الامطار مما جعل صاحب المركبة التي تقلنا من العاصمة يغلق المكيف الخاص بالعربة نسبة لبرودة الطقس في المدينة التي يتوسدها النيل الازرق وتكسو وجهها الخضرة والوجه الحسن من طيبة اهلها الذين اعادوا الى ذكريات خاصة احتفظ بها في مخيلتي .
صبيحة العيد
عند بزوغ فجر اليوم الاول لعيد الاضحى بـ(الجمعة) في جو سادته الغيوم التي توارت خلفها الشمس جراء الامطار التي هطلت ليلاً سرعان ما تعالت اصوات المساجد بالتكبير والتهليل الذي ظل يردده المصلون قبل ميعاد اقامة صلاة العيد فارتدى اهالي مارنجان افضل ثيابهم وتوجهوا صوب مسجد المسلماب شيباً وشباب ونساء واطفال لاداء الصلاة ،عقب انتهاء الصلاة حرص الجميع على التوقف بالقرب من المسجد لالقاء التحايا والتبريكات على بعضهم البعض امام بقالة «الحاج محمد احمد « في صورة تعبر عن عمق التواصل الاجتماعي وتبادل الجميع الاحضان مهنئين بقدوم العيد ولم تعيق الارض المبتلة بمياه الامطار حركة الجيران لمباركة العيد لبعضهم .
تعاون وتداخل
تلك البقعة تتسم بالتماسك الاجتماعي الذي يجسد متانة العلاقة التي تربط سكان مارنجان ،الذين اذا قضيت بمعيتهم ساعة ينتابك شعور بأن هؤلاء السكان اكثر من اهل واسرة واحدة ولكن الحقيقة تربطهم العشرة والجيرة التي أمتدت سنين طويلة فسار كل من ولد بهذه البقعة على نهج كبارهم في التعامل والتعاون فيما بينهم في السراء والضراء يتشاركون جميع المناسبات ولن تجد نفسك غريباً بينهم خاصة اذا كنت وافداً جديداً إلى المنطقة .
في ديار العم حسين
يعتبر العم حسين احد ظرفاء مارنجان الذي يعشق فريق المريخ ومتعصب له وعندما التقيناه للمرة الاولى في صباح يوم العيد ابتدر حديثه لنا بعد السلام عن مباراة القمة التي لُعبت بين المريخ والهلال مساء الاربعاء الماضي وانتهت بالتعادل الايجابي «1-1» فسرعان ما قال لجيرانه «الهلالاب الله مرقكم مننا»،وبدأ النقاش بين ما كان افضل ومقارنات على مستوى اللاعيبن ،احد الجيران جاء لمنزل العم حسين لكي يشارك في مراسم «سلخ وتقطيع الخروف عقب الذبح «،فقال له العم حسين رغم انك بتشجع الهلال ولكن سمحت لك بدخول منزلي ،فدعانا العم حسين لتناول وجبة الغداء بمنزله واحسن اكرامنا وصبيحة اليوم التالي قدم الينا بمنزل رفيقي لكي يلقي علينا تحية الصباح المعروفة « كيف اصبحتوا « ويشاورنا ان لديه «عصيدة بملاح روب» في متناول اليد عقب ان انسدت نفس العم حسين من تناول لحوم الاضاحي .
الإمام أولاً
من بين تلك العادات السائدة في المجتمع تقديم امام وخطيب المسجد الذي تقدم صفوف المصلين ان (يتقدم بذبح ضحيته ) ثم يتبعه بقية السكان اذا لم يذبح لن يتجاوزه احد في الاضحية،فكان الجميع يتناولون اطراف الحديث مع جيرانهم بقولهم» ما عندكم سكين سنينة نريد ان نذبح لان الامام ذبح «.
نموذج متفرد
الشباب في المنطقة لديهم برنامج اجتماعي متفرد حيث يجتمع غالبيتهم في منزل رفيقي طيلة ايام السنة سواء كان اهل المنزل موجودين او غيابا فليست هناك حواجز بين اهل المنطقة فيما يتعلق بدخول المنازل فعندما يكون ابناؤك في العاصمة لن تتوقف زيارات اصدقائهم لمنزلهم في حال غيابهم عن الحي، فشباب الحي مقيمون اقامة دائمة بمنزلك حتى لا يتحسس اهل المنزل بأن هؤلاء الشباب يتفقدونهم في حال وجود ابنائهم فقط بل يمكنك ان تخلد الى النوم باي منزل متى ما داهم النعاس عينيك ،فبيوت الجميع مفتوحة بمثابة بيت واحد فرابط الجيرة اقوى من حبل صلة الرحم عندما تشاهد هذا المنظر بعينيك يخيل إليك بأن هؤلاء الشباب تربطهم صلة رحم ولكن عندما تخضع الامر للتمحيص والتقييم تجد ان العشرة تجاوزت حدود صلة الرحم والقرابة نسبة للسنين الطويلة التي قضاها سكان الحي مع بعضهم البعض، ونشأ ابناؤهم على تلك القيم والتعاون فيما بينهم فورث الابناء تلك العادات الحميدة من ابائهم واجدادهم .

حكاية زول
العم عبدالله الزين يعتبر احد المزارعين القدامى بمشروع الجزيرة الذي ظل ينثر بذوره في تلك الاراضي الخصبة التي تنبت ما طاب من المحاصيل ولا يزال العم عبدالله يمتلك «حواشة « بأرض المشروع فحدثنا عن الماضي والحاضر وما لحق بهم من ضرر جراء استحواذ الشركات على اراضيهم بغرض الاستزراع والقيام بكل مستلزمات العملية الزراعية بينما يبقى المزارع في خانة المراقب لمتابعة سير الزراعة من سقي وغيره، بينما تحتكر تلك الشركة الارض بدواعي الزراعة ولكن مدة الموسم الزراعي لمحصول القطن الذي تستغرقه تلك العملية يجعل من المزارع اشبه بالعاطل ،فحديثه يعبر عن مدى القضايا التي ظلت شائكة في المشروع الذي كان يأتي اليه اهل السودان من كل فج عميق للعمل بالاضافة الى المصانع الكثيفة التي تقع في حي «مارنجان « فكانت واجهة وقبلة لكل من لم يجد عملا ،فظل المزارعون طيلة الفترة الماضية بالمشروع في دوامة من الصراعات المستمرة بينهم وبين ادارة مشروع الجزيرة فيما يتعلق بمرور طريق مسفلت تم تصديقه بالجهة الغربية من دون دراسة ميدانية والذي يمر بـ(حواشات المزارعين ) ويستقطع جزءا منها متمثلا في «تسع سرابات»، الامر الذي رفضه المزارعون ووصل بهم الحال الى مكاتب ادارة المشروع التي رفضت في البدء الالتقاء بهم انذاك وعقب تهديد ووعيد من قبل المزراعين اضطرت المحافظة لمقابلتهم عبر نائب المحافظ وعقب جلوسه مع المزارعين والسماع لاقوالهم اوقف تنفيذ المشروع علماً بأن الطريق يخدم منطقة ود نعمان ريفي مدينة الحوش وكونت له لجنة مسبقة من اهالي المنطقة وكانت التوصيات ان يتم تنفيذ المشروع بالجهة الشرقية نسبة لعدة عوامل من بينها ثبات الارض رغم لزوجة الطين ومحازاة الطريق لمسار السكة الحديد مما يجنبهم الوقوع في الاشكاليات الهندسية .
معالم ومحطات
من بين تلك المحطات التي لفتت نظري بمارنجان « مباني ادارة الاستثمار التابعة لادارة السجون بولاية الجزيرة المحازية للنيل الازرق والتي كانت تضم العديد من المشروعات من ألبان ودواجن وكمائن للطوب وغيرها فكان يجلب اليها المحكومون للعمل ولكن تلك المشروعات كانت ترفد اهالي مارنجان بالالبان ومشتقاتها ومنتجات الدواجن من لحوم وبيض بيد ان تلك الاستثمارات تحولت لمستشفى «حسن علوب «للطب النفسي ،وظلت بعض مباني السجن معلما بازرا ومحطة معروفة لغالبية السكان والأهالي ولم تغير الظروف ولا الزمن ذلك المسمى الذي لا يزال راسخا لدى سكان المنطقة .
صندوق اجتماعي
شرع شباب الحي كل مجموعة «شلة « تتماشي مع بعض أو تجمعهم صداقة او برامج معينة في إنشاء صندوق لجمع مبلغ (30) جنيهاً شهرياً لمدة عام كامل يتم فتح حساب خاص بالبنك ،عندما ينقضي العام يفتح الصندوق وتبحث المجموعة عن ما يدور في بيوت الاعضاء من افراح واتراح سرعان ما تقوم المجموعة بتقديم مال الصندوق كنوع من المساعدة .احد الاعضاء حدثنا عن الصندوق وقال ان البرنامج يشمل الاعضاء المساهمين على المستوى الشخصي والاسري عندما تكون المناسبة زواجا يتبنى الشباب كل ما يتعلق بـ(الحنة) الصغيرة للعريس والذبيح بالاضافة الى احضار الخضروات للمناسبة وذات الامر ينطبق في تحمل ذات المجموعة لترتيبات (السماية ) عندما يرزق احد الاعضاء بمولود أو مولودة ،اما في الوفيات يكون الدعم في شكل إيجار سيارات لنقل المعزين من والى مكان العزاء في حال كان العزاء خارج الحي أما اذا كان داخل الحي تدفع تلك الاموال في (الكشف) المتواجد بسرداق العزاء كنوع من الدعم المحلي لاهل الفقيد او الفقيدة .
أسماء من الحي
تعتبر مدينة ود مدني مهدا للكثير من الاسماء التي لمعت في سماء السودان في شتى المجالات سواء كانت على الصعيد السياسي أوالفني أوالرياضي، وحي مارنجان لم يكن بمعزل عن ذلك فرفد الوسط الرياضي بعدد من اللاعبين الذين ارتبطت مسيرتهم بناديي القمة (الهلال والمريخ ) ،من بين هذه الاسماء المدرب محي الدين الديبة ولاعب الهلال الاسبق والمحلل الرياضي الكابتن عمر النقي بالاضافة الي الاخوين (عبدالرحمن وحسن اسحاق كرنقو ) فضلا عن خالهم حارس مرمى الهلال الاسبق احمد آدم الذي اتجه اخيراً لمزاولة مهنة التدريب ،بجانب شخصيات فنية ممثلة في الفنان بلال موسى واخرين في مجال العمل المسرحي والدرامي ،وعلى الصعيد السياسي نجد وزيرالدفاع الاسبق ،عضو مجلس ثورة الانقاذ الراحل اللواء « ابراهيم شمس الدين الذي لا تزال اسرته موجودة بذات الحي .

الصحافة

رابط مختصر

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة صحيفة عشق البلد الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.